|
فضيحة شيخ الأزهر بقلم:سمير بن خليل
المالكي
- 1 -
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده .
أما بعد ، فقد توالت المحن والمصائب على هذه الأمة من قبل
المنتسبين إليها ، ممن يدعون الإسلام والعلم والمشيخة والرئاسة ، فيطعنون
في الدين ، ويشككون في القرآن ويسخرون من شعائر الإسلام ، وهم ينتسبون إليه
، وهذا من أعجب ما ابتليت به أمة الإسلام عبر القرون والأزمان .
وقد نبأنا الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التحذير ، عن
مثل تلك المحن التي هي من أعظم الفتن فقال ، حين سأله حذيفة بن اليمان رضي
الله عنه عن الفتن (( دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها ))
قال حذيفة : فقلت يا رسول الله صفهم لنا ، قال (( نعم من جلدتنا ويتكلمون
بألسنتنا .. )) الحديث . متفق عليه .
انظر جامع الأصول [ 10 / 45 ] .
وقد حذرنا الله في كتابه الكريم من الوقوع فيما وقعت فيه
أمم الكفر قبلنا ، خاصة اليهود والنصارى ، أحباراً ورهباناً ، من كتم الحق
وتلبيسه بالباطل وتحريف الكلم عن مواضعه مما ابتلينا به من قبل عُـبّادنا
وعلمائنا .
ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه " هل
تعرف ما يهدم الإسلام ؟ يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم
الأئمة المضلين " رواه الدارمي [ 1 / 71 ] .
وأثر عن بعض السلف أنه قال " من فسد من عُـبّادنا أشبه
النصارى ، ومن فسد من علمائنا أشبه اليهود " .
وبعد ، فقد تناقلت وسائل الإعلام فضيحة شيخ الأزهر سيد
طنطاوي ، حين أنكر على فتاة أزهرية منتقبة داخل فصول الأزهر ، وأمرها أن
تنزع نقابها ، ثم ذكر أن النقاب لا صلة له بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد
.
لقد أتى الشيخ بجملة من الفضايح في تلك الحادثة المشينة ،
التي لم نسمع عن مثلها في تاريخ الإسلام ، إلا من أعدائه من الكفار ، الذين
اشتهر عنهم استخفافهم بشعائر الإسلام .
ولقد سمعنا كثيراً عن معاناة فتياتنا المسلمات في بلاد
الغرب ، بسبب الحجاب والنقاب ، وكنا نستنكر صدور ذلك ممن ينادي بالحرية في
كل شيء ، خاصة في المسائل الشخصية ، ومنها اللباس ، حتى صار ما يستر نساءها
منه أدنى مما يكشف ، وأضحى العري ، وإظهار العورات والسّوءات مفخرة يتسابق
إليها النساء في بلاد الغرب .
لكننا فوجئنا وصدمنا بما فعله شيخ الأزهر في أكبر معقل من
معاقل العلم والمعرفة ، في الأزهر الذي لم يزل منارة تضيء للأمة الإسلامية
في بقاع المعمورة .
في الأزهر الذي ما فتئ منذ تأسيسه من أكثر من ألف عام ،
يخرج المئات والألوف من العلماء وطلبة العلم في مختلف ميادين العلم الشرعي
، ينشرون العلم ويبلغونه للناس ، وفضل الأزهر وعلمائه على المسلمين ، لا
ينكره إلا جاحد للحق ناكر للجميل .
نعم لقد صدمنا ودهشنا بما صدر من شيخ الأزهر ، حين منع تلك
الفتاة الأزهرية من النقاب ، وأنكر عليها بأسلوب لا يليق صدوره من طالب علم
مبتدئ ، فضلاً عن عالم يرأس أكبر مشيخة للعلم الشرعي في العالم كله !
شيخ الأزهر لا يجهل
احترت كثيراً ، من أين أبدأ بحثي وردي على فضيلته ؟
أأبدأ من بيان حكم النقاب ؟ وهل شيخ الأزهر يجهل حكمه ؟
ومن تراه يصدق أن طالب علم في الأزهر ، فضلاً عن أعلى قمم
الأزهر ، يجهل حكم ستر المرأة لوجهها في حضور رجل أجنبي ؟
ألا يوجد في مقررات الأزهر مادة التفسير ؟
أليس فيه تفسير سورتي النور والأحزاب ؟
ألم يطلع فضيلته على أقوال المفسرين قاطبة عند تفسير آيات
الحجاب الثلاث في تينك السورتين ؟
أعني قول الله تعالى في سورة النور { ولا يبدين زينتهن إلا
ما ظهر منها } وقولــه تعالى في سورة الأحزاب { وإذا سألتموهن متاعاً
فاسألوهن من وراء حجاب ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن } وقوله في سورة الأحزاب
أيضاً { يدنين عليهن من جلابيبهن } .
شيخ الأزهر يتجاهل
زعم شيخ الأزهر أن النقاب لا يمت إلى الإسلام بصلة ، وأنه
من العادات ، وبالغ في تقرير ذلك بالقول والفعل وتشدد فيه ، وهو – بلا ريب
– لا يجهل الحكم الشــرعي ، فلماذا فعل ذلك ؟ أنا على يقين أن فضيلته تعمد
أن يتجاهل مسألة يعرف كل طلاب العلم ، بل و كثير من العامة أيضاً ، أن هناك
خلافاً فيها ، وأن كتب العلم ، في التفسير والفقه والحديث ، قد نقلت لنا
ذلك الخلاف ، بغض النظر عن اختلافنا معه في ترجيح أي من تلك المذاهب
والأقوال .
وإذا كان شيخ الأزهر قد قصد أن يتجاهل وجود الخلاف ، فهل
يستطيع فضيلته أن يلغي ذلك الخلاف أيضاً من مقررات الأزهر ؟ هل يجرؤ أن
يحذف من كتب التفسير سواء كانت من مقررات الأزهر ، أم كانت من المراجع التي
تزخر بها مكتباته العامة ، ما ذكره علماء التفسير عند تفسير الآيات الثلاث
من سورتي النور والأحزاب ؟ وهل يستطيع شيخ الأزهر ، كذلك ، أن يحذف ما نقله
الفقهاء في كتابي الصلاة والحج ، عن حكم غطاء المرأة وجهها ؟
سأنقل إليك أخي القارئ بعض ما ذكرته كتب التفسير المشهورة
في تفسير آيات الحجاب الثلاث ، لتعلم أن شيخ الأزهر لم يجهل المسألة بل
تجاهلها .
تفسير آية النور رقم 31
قال الله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن
بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ... } الآية .
قال ابن جرير الطبري " وقوله { ولا يبدين زينتهن } يقول
تعالى ذكره : ولا يظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهن ، وهما زينتان
، إحداهما ما خفي ، وذلك كالخلخال والسوارين والقرطين والقلائد . والأخرى
ماظهر منها ، وذلك مختلف في المعنيِّ منه بهذه الآية ، فكان بعضهم يقول
زينة الثياب الظاهرة " .
ثم أسند ابن جرير هذا القول إلى ابن مسعود وإبراهيم النـخعي
والحسـن البصري . ثم قـال " وقال آخرون : الظاهر من الزينة التي أبيح لها
أن تبديه : الكحل والخاتم والسواران والوجه " .
ثم أسند هذا القول إلى ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة
.
ثم قال ابن جرير بعد أن ذكر قولاً ثالثاً " وأولى الأقوال
في ذلك بالصواب ، قول من قال : عني بذلك الوجه والكفان ، يدخل في ذلك ، إذا
كان كذلك ، الكحل والخاتم والسوار والخضاب . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال
في ذلك بالتأويل ، لإجماع الجميع على أن على كل مصلٍّ أن يستر عورته في
صلاته ، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها ، وأن عليها أن تستر ما
عدا ذلك من بدنها ... " الخ . انظر تفسير ابن جرير [ 9 / 303 – 306 ] .
قال سمير: ابن جرير الطبري شيخ المفسرين ، وأقدمهم وإمامهم
، وقد توفي سنة 310هـ وتفسيره من أكبر وأشهر التفاسير ، وكل من جاء بعده
استفاد منه ، وقد حكى الخلاف في تفسير الآية عن الصحابة والتابعين ، فكيف
يتجاهل شيخ الأزهر هذا الخلاف ، مع قدمه و شهرته وشهرة القائلين به من
السلف ؟ .
وقال القرطبي " أمر الله سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين
زينتهن للناظرين ، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية ، حذاراً من
الافتتان ، ثم استثنى ما يظهر من الزينة .
واختلف الناس في قدر ذلك ، فقال ابن مسعود : ظاهر الزينة هو
الثياب . وزاد ابن جبير : الوجه .
وقال سعيد بن جبير أيضاً ، وعطاء والأوزاعي : الوجه والكفان
والثياب . وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة : ظاهر الزينة هو الكحل
والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ، ونحو هذا ، فمباح أن
تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس .. "
إلى أن قال " قال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية ،
أن المرأة مأمورة بألا تبدي ، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة .
ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه ،
أو إصلاح شأن ونحو ذلك . فما ظهر على هذا الوجه ، مما تؤدي إليه الضرورة في
النساء ، فهو المعفو عنه .
قلت ( أي القرطبي ) : هذا قول حسن ، إلا أنه لما كان الغالب
من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة ، وذلك في الصلاة والحج ، فيصلح أن
يكون الاستثناء راجعاً إليهما .
يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها : أن
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لها ((
يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا )) وأشار
إلى وجهه و كفيه .
وهذا أقوى في جانب الاحتياط ، ولمراعاة فساد الناس ، فلا
تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها ، والله الموفق لا رب
سواه .
وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا : إن المرأة إذا كانت
جميلة ، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة ، فعليها ستر ذلك .
وإن كانت عجوزاً أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها " .
انتهى .
انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي [ 12 / 228 – 229 ] .
قال سمير : وهذا الإمام القرطبي ينقل لنا الخلاف في المسألة
، وهو متوفى سنة 671هـ ، مما يؤكد أن الخلاف استمر من عهد السلف إلى وقته ،
فكيف يتجاهله شيخ الأزهر ؟
تفسير آية الأحزاب رقم 53
قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي
إلا أن يؤذن لكم .. } إلى قوله تعالى { وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من
وراء حجاب ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن } .
قال ابن جرير الطبري ما نصه " وإذا سألتم أزواج رسول الله
صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين ، اللواتي لسن لكم بأزواج ، متاعاً {
فاسألوهن من وراء حجاب } يقول : من وراء ستر بينكم وبينهن ، ولا تدخلوا
عليهن بيوتهن { ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن } يقول تعالى ذكره : سؤالكم إياهن
المتاع ، إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب ، أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض
العين فيها ... " الخ [ 10 / 325 ] .
قال سمير : آية الأحزاب هذه رأى أكثر أهل العلم أنها خاصة
بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن ابن جرير الطبري أدخل فيها عموم
النساء المؤمنات ، كما مر معنا من كلامه . وقد وافقه الإمام القرطبي في
تعميم الآية على كل النساء ، فقـال في تفسيره [ 14 / 227 ] " في هذه الآية
دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض ، أو
مسألة يُستفتين فيها ، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى ، وبما تضمنته
أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة ، بدنها وصوتها ، كما تقدم ، فلا يجوز
كشف ذلك إلا لحاجة ، كالشهادة عليها ، أو داء يكون ببدنها ، أو سؤالها عما
يعرض وتعيّن عندها " اهـ .
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري [ 8 / 530 ] عند ذكر
الحديث في سبب نزول هذه الآية من سورة الأحزاب " وفي الحديث من الفوائد :
مشروعية الحجاب لأمهات المؤمنين . قال عياض : فرض الحجاب مما اختصصن به ،
فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين ، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة
ولا غيرها .. " الخ .
قال سمير : كلام عياض مفهومه أن غير أمهات المؤمنين مختلف
في فرض الحجاب عليهن في الوجه الكفين ، كما هو ظاهر .
وللعلامة الشنقيطي بحث نفيس في تفسيره : أضواء البيان ، حيث
رجّح أن هذه الآية وإن نزلت في شأن أمهات المؤمنين إلا أن حكمها عام لكل
المؤمنات ، وأطال رحمه الله في تقرير ذلك ، فانظره إن شئت .
ولو فرضنا جدلاً أن الحكم خاص بأمهات المؤمنين ، فهل يصح أن
يقال : إن ستر الوجه لا يمت إلى الإسلام بصلة ، كما زعم شيخ الأزهر ؟!
تفسير آية الأحزاب رقم 59
قال تعالى { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء
المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله
غفوراً رحيماً } .
قال ابن جرير الطبري في تفسيره [ 10 / 331 - 332 ] " يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا أيها النبي قل لأزواجك
وبناتك ونساء المؤمنين : لا تشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن
لحاجتهن ، فكشفن شعورهن ووجوهن ، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن ، لئلا
يعرض لهن فاسق ، إذا علم أنهن حرائر، بأذى من قول .
ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به ،
فقال بعضهم : هو أن يغطين وجوههن ورؤسهن ، فلا يبدين منهن إلا عيناً واحدة
.. "
ثم أسند ابن جرير هذا القول ، عن ابن عباس وعن عبيدة
السلماني .
قال سمير : قد صرح ابن جرير هنا بأن كشف الشعر والوجه كان
من خصائص الإماء ، وأن الله أمر الحرائر بستر الشعر والوجه حتى يتميزن عن
الإماء ، لئلا يتعرضن لأذى ضعاف النفوس .
ونقل تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ، في صفة إدنــاء
الجلابيب ، وهي أن تغطي كل شيء ، ولا يظهر منها إلا عين واحدة .
ومثله قول عبيدة السلماني ، وهو من كبار فقهاء التابعين .
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية " لما كانت عادة العربيات
التبذّل ، وكن يكشفن وجوههن ، كما يفعل الإماء ، وكان ذلك داعية إلى نظر
الرجال إليهن ، وتشعّب الفكرة فيهن ، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن
يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن ... "
إلى أن قال " واختلف الناس في صورة إرخائه ، فقال ابن عباس
وعبيدة السلماني : ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة
تبصر بها .
وقال ابن عباس أيضاً وقتادة : ذلك أن تلويه فوق الجبين
وتشده ، ثم تعطفه على الأنف ، وإن ظهرت عيناها ، لكنه يستر الصدر ومعظم
الوجه . وقال الحســن : تغطي نصف وجهها " اهـ . [ 14 / 243 ] .
قال سمير : إذاً كشف الوجوه كان من خصائص الإماء ، وأما
الحرائر فإنهن أمرن بسترها لئلا يؤذين من قبل الفساق وضعاف النفوس ، كذا
قال الإمامان : ابن جرير والقرطبي ، ووافقهما على هذا القول سائر المفسرين
.
واليوم تؤذى الطالبة الحرة الأزهرية ، ومن آذاها ؟ شيخ
الأزهر ! يا للفضيحة ! ويا للعار !
أم ترى أن فضيلته عدها من جملة الإماء لا من الأحرار ؟!
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص – أمير مصر
– حين ضرب ابنه ابن ذلك القبطي المصري " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم
أمهاتهم أحراراً " !
تــنبيه
قد مر معنا قول ابن عباس في تفسير آية النور { ولا يبدين
زينتهن إلا ما ظهر منها } أن الزينة الظاهرة هي : الوجه والكفان ، وأن لها
أن تبديه حتى للرجال الأجانب ، ورجح ابن جرير والقرطبي هذا القول هناك ،
لكنهما هنا في تفسير هذه الآية من سورة الأحزاب ، ذكرا خلاف ذلك ، وجعلا
كشف الوجه من خصائص الإماء ، وهو اختيار ابن عباس ومن وافقه من التابعين .
فإما أن يقال : إن ابن عباس له قولان في المسألة ، أو يقال
: إن قصد ابن عباس في آية النور ، أن المرأة تبدي وجهها وكفيها لمن ذكروا
في الآية بعد ذلك من محارمها ، لأن الله تعالى قال { ولا يبدين زينتهن إلا
ما ظهر منها } ثم قال { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن .. } الآية . فلعله
أراد أن الزينة الظاهرة التي تبديها المرأة ، وهي الوجه والكفان ، إنما
تبديها لمن ذكر في الآية من محارمها ، لا لكل الرجال .
أو يكون مراد ابن عباس أن الوجه والكفين من الزينة التي لا
تظهر منها ، والمعنى : ولا يبدين الوجه والكفين إلا ما ظهر دون قصد منها ،
كأن يظهر من الوجه القرط ومن الكف الخاتم ، ونحو ذلك .
وهو موافق لتفسير ابن مسعود ومن معه .
قال ابن كثير في تفسير آية النور " أي لا يظهرن شيئاً من
الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه . قال ابن مسعود : كالرداء والثياب ،
يعني على ما كان يتعاناه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها ، وما
يبدو من أسافل الثياب ، فلا حرج عليها فيه ، لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه ...
وقال بقول ابن مسعود : الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي
وغيرهم .
وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس { ولا يبدين
زينتهن إلا ما ظهر منها } قال : وجهها وكفيها والخاتم .
وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء
والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك " .
قال ابن كثير " وهذا يحتمل أن يكون تفسيراً للزينة التي
نهين عن إبدائها ، كما قال أبو إسحق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبدالله قال
، في قوله { ولا يبدين زينتهن } ، الزينة : القرط والدملوج والخلخال
والقلادة .
وفي رواية : الزينة زينتان : فزينة لا يراها إلا الزوج :
الخاتم والسوار ، وزينة يراها الأجانب ، وهي الظاهر من الثياب .
وقال الزهري : لا يبدو لهؤلاء الذين سمى الله ، ممن لا تحل
له إلا الأسورة و الأخــمرة و الأقرطة ، من غير حسر ، وأما عامة الناس ،
فلا يبدو منها إلا الخواتم .
وقال مالك عن الزهري { إلا ما ظهر منها } الخاتم والخلخال .
ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها
بالوجه والكفين ، وهذا هو المشهور عند الجمهور ... " اهـ باختصار .
ولابن تيمية رأي آخر ، فإنه جعل تفسير ابن عباس لآية النور
، أنه أول الأمرين ، ولم يجعله مخالفاً لقول ابن مسعود .
فقال " فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن ، وهو ستر
الوجه ، أو ستر الوجه بالنقاب ، كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا
تظهرها للأجانب ، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة .
فابن مسعود ذكر آخر الأمرين ، وابن عباس ذكر أول الأمرين "
اهـ .
انظر مجموع الفتاوى [ 22 / 111 ] .
قال سمير : وعلى هذا يكون ابن عباس رضي الله عنهما قد ذكر
في آية النور أول الأمرين من فرض الحجاب ، ثم ذكر في آية الأحزاب آخر
الأمرين ، وهو الموافق لما قاله ابن مسعود ، غير أن ابن مسعود ذكر ما استقر
عليه الحكم في آية النور ، ولم يفصِّـل كما فصّل ابن عباس رضي الله عنهم
أجمعين .
الخلاصــة
وأياً كان الأمر ، فإن القائلين بوجوب غطاء الوجه من
الصحابة والتابعين كثير ، فهو قول مشهور جداً ، كما نقلناه عن المفسرين .
ومن قال بجواز كشف المرأة وجهها وكفيها من المفسرين من
الصحابة وأشهرهم ابن عباس رضي الله عنهما ، فإنه نقل عنه ما يخالف ذلك ،
كما مر معنا في تفسيره لآية الأحزاب الأخيرة ، وقد تقدم الجمع بين قوليه .
ولم يقل أحد من هؤلاء إن المرأة يجب عليها كشف وجهها ، بل
غاية ما قالوه : إنه يجوز لها ذلك ، فهاهنا قولان في المسألة :
الأول : جواز كشف المرأة وجهها للأجانب . وهو قول الجمهور .
الثاني : وجوب تغطية المرأة وجهها أمام الأجانب . وهو قول
مشهور .
فمن أين أتى شيخ الأزهر بالرأي الشاذ الغريب ، وهو تحريم
غطاء الوجه ؟
وللإمام الحافظ أبي الحسن علي بن القطان المتوفى سنة 628هـ
، كتاب نفيس اسمه " النظر في أحكام النظر بحاسة البصر " ، ذكر فيه حكم غطاء
الوجه ، ونقل كلام المفسرين في ذلك ، ومما قاله رحمه الله " إن الوجه
والكفين والقدمين ، هل يجوز للمرأة إبداؤها أو لايجوز ، أعني لللأجانب ،
وهو موضع خلاف .
ولن نبلغ إلى الكلام في تعيين الصحيح من ذلك ، إلا بعد
الكلام في الآية ، التي هي مستند الباب ، وبعد الفراغ منها ، نعرض لثلاث
مسائل : مسألة في الوجه ، ومسألة في الكفين ، ومسألة في القدمين .
أما الكلام في الآية ، فهو أن نقول : قوله عز وجل { ولا
يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } ، نهي مطلق للنساء كلهن ، حــرة كانت أو
أمة ، عن إبداء كل زينة ، لكل أحد ، رجل أو امرأة ، أجنبي أو قريب أو صهر ،
هي مطلقة بالنسبة إلى كل زينة ، ومطلقة بالنسبة إلى كل مبدية ، ومطلقة
بالنسبة إلى كل ناظر .
وَردَ على إطلاقين منها استثناءات : أحدهما على مطلق الزينة
، ومخصص به ما ظهر منها ، فيجوز إبداؤه لكل واحد .
والآخر : على مطلق الناظرين الذين يبدى لهم شيء من ذلك ،
فخصص منهم : البعولة ومَن بعدهم ، جوّز لها إبداء ما كان زينة لهم على وجه
يتفسر بعد ، إن شاء الله ، من أنه مشترك بين أقربهم وأبعدهم ..
والإجماع منعقد ، على أن ما تبديه للمذكورين ، أكثر مما
تبديه للأجانب ، وعلى أن المذكورين متفاوتون فيما تبديه لهم .
فإذاً قد انقسمت الزينة إلى ظاهرة ، تبدى لكل أحد ، أجنبي
أو قريب أو صهر .
وإلى باطنة ، منها ما يبدى لجميع المذكورين ، ومنها ما يبدى
لبعضهم .
فلابد أن ينظر : ما الزينة الظاهرة ؟ وما الزينة الباطنة ؟
ومن الذي تُبدي لهم من الزينتين ؟ أما الزينة الباطنة ما تُبدي منها ، ولمن
تبديه ؟ فسيأتي القول فيه إن شاء الله مستوفىً .
وأما الزينة الظاهرة ، فنقول :
نقل عن عبدالله بن مسعود أنها : الثياب . فعلى هذا يلزم
المرأة ستر جميع جسدها ، ولا تبدي شيئاً منه ، وجهاً ولا غيره .
وروي عنه مفسراً أنه قال : الزينة زينتان ، ظاهرة وباطنة ،
فالظاهرة : الثياب . والباطنة : الكحل والسوار والخاتم . ففي هذا أن الوجه
، الذي فيه الكحل ، لا تبديه إلا لمن أجيز لها إبداء الزينة الباطنة له ،
البعْـل ومَن بعده .
وروى في ذلك هو بنفسه حديثاً .. "
ثم ساق ابن القطان حديث الترمذي من طريق ابن مسعود رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( المرأة عورة فإذا خرجت
استشرفها الشيطان )) .
ثم قال ابن القطان " فهذا قول واحد في الزينة الظاهرة ،
ويشبه أن يكون مقولاً به لبعض الشافعية ، وذلك أن لهم قولين في جواز النظر
إلى الأجنبية :
أحدهما : المنع ، وهو المشهور .
والآخر : الإجازة ، مالم يخف الفتنة .
فإذا قلنا : إن كل ما يحرم النظر إليه لا يجوز إبداؤه ، فقد
يخرج لهم من هاهنا مثل قول عبدالله بن مسعود ، في أن المرأة لا يجوز لها
إبداء وجهها . وروي عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال :
كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها .
وقال أحمد بن حنبل : إذا صلت المرأة تغطي كل شيء منها ، ولا
ظفرها ... " .
ثم قال ابن القطان " وقول ثانٍ في الزينة الظاهرة ، وهو :
أنها الثياب والوجه . هذا قول يروى عن سعيد بن جبير ، والحسن البصري ، فعلى
هذا يجوز لها إبداء وجهها فقط .
وقول ثالث فيها ، وهو : أنها الوجه والكفان . هذا قول يروى
عن ابن عباس وابن عمر وأنس وعائشة وأبي هريرة رضي الله عنهم ... " .
ثم أطال ابن القطان في سرد الأقوال في المسألة ، وذكر بعض
الأحاديث التي استدل بها من أباح للمرأة كشف وجهها وكفيها بحضرة الرجال
الأجانب ، وذكر اعتراضات القائلين بوجوب تغطية الوجه والكفين ، ثم قال رحمه
الله " لكن الانصراف عما يدل عليه ظاهر اللفظ أو سياق القصة ، لا يكون
جائزاً إلا بدليل عاضد ، يصيِّر الانصراف تأويلاً ، وإذا لم يكن هناك دليل
، كان الانصراف تحكماً ، فعلى هذا يجب القول بما تظاهرت به هذه الظواهر
وتعاضدت عليه ، من جواز إبداء المرأة وجهها وكفيها .
لكن يستثنى من ذلك ما لابد من استثنائه قطعاً ، وهو ما إذا
قصدت بإبداء ذلك التبرج وإظهار المحاسن ، فإن هذا يكون حراماً ... " إلى أن
قال " ويبقى علينا بعد هذا المتقرر في حق النساء ، من جواز بُـدوِّ الوجه
والكفين ، على غير قصد التبرج ، بحكم ضرورة التصرف ، ما يخصنا من أمر النظر
إلى ذلك : أيمنع مطــلقاً ؟ أم يجوز إذا لم يخف الفتنة ولم تقصد اللـذة ؟
يأتي ذكره بعد إن شاء الله " . انتهى باختصار [ 135 – 172 ] .
قال سمير : قد حكى رحمه الله الخلاف في حكم كشف المرأة
وجهها وكفيها ، وذكر أدلة القائلين بالجواز واعتراضات القائلين بالمنع ،
وهو يؤكد أن الخلاف قوي ومشهور ، لا كما زعم شيخ الأزهر ، غفر الله له .
كلام الفقهاء في المسألة
يبحث الفقهاء حكم ستر المرأة وجهها وكفيها في موضعين من كتب
الفقه .
الأول : كتاب الصلاة ، في ستر العورة .
الثاني : كتاب الحج ، في محظورات الإحرام .
وسأنقل لك أخي القارئ بعض ما جاء في كتب الفــقه المشهورة ،
عن حكم ستر المرأة وجهها .
1 – قال ابن عبدالبر " وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها
في الصلاة والإحرام . وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم ، وهو قول
الأوزاعي وأبي ثور : على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها .
وقال أبوبكر بن عبدالرحمن بن الحارث : كل شيء من المرأة
عورة حتى ظفرها .. " .
قال ابن عبدالبر " قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل
العلم ، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها
مكشوف ذلك كله منها ، تباشر الأرض به .
وأجمعوا على أنها لا تصلي متنقبة ، ولا عليها أن تلبس
قفازين في الصلاة ، وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة .. " .
إلى أن قال ابن عبدالبر " اختلف العلماء في تأويل قول الله
عز وجل { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } . فروي عن ابن عباس وابن عمر
، إلا ما ظهر منها : الوجه والكفان . وروي عن ابن مسعود { ما ظهر منها }
الثياب . قال : لا يبدين قرطاً ، ولا قلادة ، ولا سواراً ، ولا خلخالاً ،
إلا ما ظهر من الثياب .. "
إلى أن قال " فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في
صلاتها وغير صلاتها " ا هـ . انظر التمهيد [ 6 / 364 – 369 ] .
2 – قال الشيخ علاء الدين الحصكفي في شرح تنوير الأبصار ،
في كتاب الصلاة ، في ستر العورة " وللحرة ولو خنثى جميع بدنها ، حتى شعرها
النازل في الأصح ، خلا الوجه والكفين ، فظهر الكف عورة على المذهب ،
والقدمين ، على المعتمد ، وصوتها على الراجح ، وذراعيها على المرجوح .
وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين رجال ، لا لأنه عورة
، بل لخوف الفتنة " .
---------------
رجاء النقر هنا
للمتابعة الى الجزء الثاني من المقال
كتبه / سمير بن خليل المالكي المكي الحسني / جزاه الله عنا
خيرا ونفع بعلمه المسلمين
9 / 11 / 1430هـ -
جوال 0591114011
منقول من موقع صيد الفوائد : مع تحيات :اخوكم الذيب ولد
الذيب
http://alzeeb.8m.net
***
*** *** **** **** *****
الجزء الأول -
الحزء الثاني
|